نشرت جريدتكم في عددها الصادر في 23 آب 2007، مقالا عن كتاب عنوانه "هل ثمة تحريم للخمر والنبيذ في الاسلام؟" للاستاذ جوزف باسيل. وانا هنا لست في معرض الرد على الكتاب او تفنيد اقوال الكاتب المليئة بالمغالطات، ولا حتى مناقشة ما جاء فيه من آراء وافكار شخصية تعني كاتبها فقط لأنها في غالبيتها لا توافق حكم الشرع الاسلامي في مسألة تحريم الخمر، واحيانا يعتمد المؤلف على جمع آراء متناثرة لا قيمة لها منفردة، ليشكل بتوليفها غير العلمي قوة لرأي مهما حشد له من شاذ الاقوال لا يشكل ابدا رأيا شرعيا صحيحا ومقبولا.
ولكني ارغب في نشر الرد على التساؤل الذي وضع على رأس المقال بخط عريض وعنوان كبير جدا وهو "هل ثمة تحريم للخمر والنبيذ في الاسلام؟"، خوفا من تحريف الحقيقة على القارئ غير المسلم وحتى بعض المسلمين، باعتبار انه من المعلوم بالضرورة ان الخمر والنبيذ بمدلولاتهما الحالية اليوم هما حرام قطعا ومن دون ادنى شك، وذلك استنادا الى نصوص شرعية واضحة لا لبس فيها، وبناء على مصادر التشريع المحددة والواضحة وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة والاجماع.
اما دليل تحريم الخمر بكل انواعها بما فيها النبيذ او كل اسم قديم او جديد، فهو في قول الله تعالى: "يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه" فأبدأ بسؤال مهم هو: هل الاسلام ومعه الاديان السموية تبيح الرجس وتحل عمل الشيطان؟ ام تحرمهما وتنهى عنهما؟ اما ما قد يحتج به البعض لتحريف الحكم عن التحريم بان لفظ "فاجتنبوه" في الآية الكريمة هو غير لفظ "حرام" فهذا اول ما يدل على جهل اصحاب هذا القول باللغة العربية ومدلولات الفاظها، لان كلمة "فاجتنبوه" تفيد اشد انواع التحريم، وتفيد توسيع اطار التحريم ليشمل جوانب متعددة، لان لفظ "حرام" يتعلق بتحريم عين الشيء وذاته فقط، كما في قول الله تعالى: "حرّمت عليكم الميتة"، فالحرمة هنا تتعلق بأكل لحم الميتة فقط ولا تتعداه الى تحريم جلدها وشعرها وصوفها او ما قد ينتفع به. ولو افترضنا ان الله تعالى قال: "اجتنبوا الميتة" لتعلق التحريم بمفهوم للحرمة اوسع واكبر من اكلها ليشمل حرمة لمسها وصوفها وشعرها وجلدها وكذلك حرمة الانتفاع بها، لذلك كان الامر باجتناب الخمر يشمل، اضافة الى حرمة شربها، تحريم العمل بها وتصنيعها وحملها وبيعها... الى آخر ما يتعلق بها، وهذا هو مدلول كلمة "فاجتنبوه" التي كما اتضح لنا هي مصطلح لغوي اشد في النهي والابتعاد والترك من مصطلح "التحريم".
اما دليل التحريم من المصدر الثاني للتشريع وهو السنّة النبوية الشريفة، فيحتوي على كم هائل من النصوص والاحاديث النبوية الواضحة والصريحة التي تفيد حرمة الخمر، ومن هذه النصوص حديث رواه الامام مسلم والامام احمد والنسائي وابو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". وحديث آخر قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اسكر كثيره فقليله حرام". وطبعا سأكتفي بهذين النصين الواضحين في تحريم الخمر بكل انواعه وبقليله وكثيره، هذا عدا عن الوقائع التاريخية الثابتة في زمن رسول الله التي تؤكد ايقاع العقاب على كل من القي القبض عليه شاربا للخمر، وان عقوبة شارب الخمر محددة وقد يضيف اليها الحاكم عقوبة تعزيرية يراها الحاكم ضرورية لمعاقبة من يكرر هذا الفعل ولم يتب منه.
اما المصدر الثالث للتشريع فهو اجماع علماء الامة بكل مذاهبها السنية والشيعية على ان الخمر حرام، فالحكم عند الجميع واحد، والتعامل مع الخمر وشاربها واحد، في كل عصر وزمان ومرحلة من مراحل الحكم الاسلامي (الذي اجاز فقط للنصارى شربها وبيعها والتجارة بها باعتبار انهم لا يرون حرمتها)، ولا يقدح بهذا الاجماع ورود قصص وحوادث فردية لافراد او لمسؤولين خالفوا الحكم الشرعي على مر التاريخ، وهذا يحمّل صاحبه المسؤولية، ولا يتعداه الى التشكيك بحكم لا خلاف عليه (كما يحاول الكاتب او يوهم قراءه). ولقد نسي الكاتب ان المصطلح المستعمل عند علماء المسلمين للخمر هو مصطلح "ام الخبائث" وهذا ما اكدته اليوم الدول الاوروبية واميركا التي وصلت الى اقتناع بضرورة الحد الجدي والمنع من انتشار الخرم، فسنّت الشرائع والقوانين التي تضيق بشكل كبير على الادمان والتعاطي، لان العالم المتحضر اصبح مقتنعا تماما بان الخمر هي "ام الخبائث".
فلماذا يسعى الكاتب الى الدفاع عنها والعمل على تبرير تعاطيها؟ ولمصلحة من؟