خدمات زبــيــد

صندوق الاقتراحات

كونوا معنا

صندوق الاقتراحات

تسجيل الدخول


دراسات في الدين

الـصــابــِـئــَـة في الــشـَـريـعـَـةِ الإســلامـِـيـّــة ( الجزء الثاني )

 هل إن الصابئة مشركون ، وعبدة كواكباً ونجوماً كما يزعم البعض ؟ 


 

 

هناك من الأسباب الكثيرة التي دفع البعض ممن كتب عن ديننا الصابئي الحنيف ، وعن أتباع هذا الدين من الصابئة الموحدين ، المؤمنين بالله الحي المزكّي ، إن الأسباب التي سأدرج وأتناول البعض منها ، لا يمكننا تجزئتها وأخذ كل واحدة منها على حدة ، وأعتقد جازما أن هناك ربطا جدليا بينهما ، لذا يجب التعرف إليها مجتمعة ودفعة واحدة ، ومن هذه الأسباب على سبيل المثال لا الحصر ما يلي :

1. الـغـُـمـوض الغير مُـبَـرّر .

2. الـجـهـل والسكوت والخوف والعـجـَـز من قبل غالبية الصابئة ، ومن قبل رجال ديننا في النقاش الهادف مع أبناء الديانات الأخرى التي تدعو إلى وحدانية الله الخالق الناصر .

3. ازدهار الـفـكر الوضعي وانخراط معظم مثقفي ومتعلمي الصابئة والكثير من عامتهّم ، في أحزاب مختلفة تبنت هذا الفكر ، لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية ، أفرزتها ونسجتها وأملتها عليهم مرحلتهم التاريخية التي شغلوها وعاصروها .

4. رَبـط المؤسّسة الدينّية ـ كيانها ونشاطها وحركتها بـ ( رأس المال الصابئي ) مما جعلها عاجزة على الوقوف أمام أصحابه والتعرض لما يقومون به وذويهم من تصرفات خارجة عن أحكام شريعتنا الصابئية السمحة ، كما جعل هذه المؤسسة الدينية عاجزة عن نشر أي نشاط يخصهـا ، و يخص ديننا الصابئي الحنيف من نشرات وترجمات لكتبنا الدينية المقدسة ، ونشاطات المفكرين الصابئة في هذا الميدان ، والتي تشكل حتما مراجعا تـُـجبر من يريد الكـتابة عـَـنا [ دينا وأتباعاً ] من الرجوع لهذه المصادر.

5. اتـِـّـكــال المؤسّسة الدينّية على ( المتعلمين و المثقفين ) الصابئة في الرد على أي طرح ضد الصابئة ودينهم الصابئي الحنيف ، مما انعكس ذلك على ردود وإجابات خلفيتها ، ولاء هذا المتعلم أو المثقف لثقافته ، ولولائه الفكري الوضعي ، الذي لم يستطع التخلص منه ليفصل بين الإنتماء لدينه الصابئي الحنيف، وبين استقراءه وتفسيره من خلال ولاءه الفكري لنصوص هذا الدين .

6. ضعف الشخصية الدينية الصابئية ، وافتقارها إلى المواصفات والصفات العـقايدية القيادية المعرفيـّة ، وعدم قدرتها على التـفقه في الشريعة الصابئية ، والإطلاع على الشرائع السماوية الأخرى ، والمذاهب الوضعية ، مما يفقدها إمكانيتها واستطاعتها في الرد العقائدي ، المعرفي ، المـُـقـْـنِع والمستند على أحكام الشريعة الصابئية الغراء .

7. احـتـكار المؤسسة الدينية للكتب الدينية الصابئية ، وعدم تـَـرجـَمتها [ ترجمة دينية صابئية متكاملة ، صحيحة وبأمانة شرعية ] ، لكل ما هو وارداً فيها ولحد الآن ، لعدم قــُـدرتهم على ذلك ، ولأسباب من المـُـخـجـل ذكـرهـا ....! مما ساعد على ظهور ترجمات شخصية لا يمكن الركـون إلى أغـلب نصوصها ، أملت تـرجمتها دوافع وظـروف [ رزقـويـّـة ] معـروفة لدى الجميع من صابئتنا ...! بل سببت إشـكالات شرعية لبعض رجال الدين في دول معينة معروفة .

8. افتقار الصابئي لأي خلفية وثقافة دينية معرفية صابئية ، تجعله ملماً بأحكام شريعته الصابئية ، ومطلعا على الأديان السماوية الأخرى ، والمذاهب الوضعية ليتمكن من الرد والتصدي لما يلصق و يوصم به وبدينه الموحد القويم .

9. وأخطر ما تقدم من أسباب هو عدم أو انعدام وجود المرجعية الدينية الصابئية التي تفرض وجودها وهيبتها على عـُـموم الصابئة لما تـَـتمتع به [ المفروض ] من معرفة دينية إيمانية مستندة ومرتكزة على أحكام الشريعة الصابئية وسنة أنبيائها من أقوال وأفعال واجتهادات رجال الدين من العلماء الأعلام ، ومطلعة على بقية الشرائع السماوية الأخرى ، اليهودية والمسيحية والإسلامية .

لقد ساهم البعض الكثير من رجال ديننا الصابئي الأفاضل ـ من مات منهم رحمهم الله ، ومن الأحياء منهم حفظهم الحي المزكى ، إلى ازدهار واستمرار والتصاق هذه النعوت المفتقرة إلى الدليل والحجة بل حتى القرينة ، والطارئة على ديننا الصابئي الموحد لأسباب كثيرة ، منها الجهل بجوهر ديننا وعدم إدراكهم لأحكامه عقائديا ومعرفياً ، وأهم الأسباب إضافة لما تقدم ذكره ، ما ذهب إلى بيانه المفكـّر الصابئي الجليل عـزيز سباهـي ، في مقاله الموسوم المنشور في مجلة الثقافة الجديدة في العددين 10 و 11ـ الصفحة 87 من سنة 1994 وأقـتطف منه ما يلي :

ولكي تحـتفظ هذه الفئـَـة الكهنوتية بمنزلتها الخاصة أصبحت تحرص على توارث المركز الديني وتحيط نفسها بهالة خاصة بصفتها الفئة التي يحق لها وحدها أن تتعرف على الأسـرار الدينية والتي لا تفشى إلاّ للمرشّـح لهذه الفئة وبأقساط ، عندما يجري تكريمه ... فهُـناك كتب ونصوص لا يجوز الإطلاع عليها ، إنها نصوص سريـّـة خاصة برجال الدين وحـدهم ... ولا يسلمها إلى آخرين ـ حتى من عائلته ـ إلاّ حـين يقترب من المَـوت .

إن سكوت وعجز وخوف وجهل رجال الدين الصابئة لجوهر دينهم وأمور دنياهم ، ترك صابئتنا ودفعهم للابتعاد عن الانقياد لهم ، والتمرد على ما يطرحوه وإن كان صحيحا ، وبذلك إستسلم رجال الدين لواقعهم الذي قيدوا أنفسهم بأغلاله ، تاركين واجبهم الرسالي المكلفين به من قبل الهيي ربي ، والذي عاهدوه عند طراستهم للقيام به ، والموت في سبيله ، مانعين وحاجبين عقولهم من تبني رسالة الحي القيوم ، المكلفين بها شرعا والمتمثلنة بتثقيف وتحصين أنفسهم عقائدياً ، والقيام بما يماثل ذلك تجاه صابئتنا الأفاضل .

كما يتحمل البعض الكثير من المتعلمين الصابئة والمثقفين منهم نفس التقصير وذاته ، حيث أنهم تخلوا عن البحث والتقصي والغور في بحر نصوص وأحكام ديننا الحنيف ، والعـمل على إبـراز الهوية الديـنية الصابـئية ، بل اعـتـبـر الكثير مــنهم أن الديـن الصابئي [ موروثا ] أدبيا ليس إلاّ ، مما دفع الكثير منهم لخدمة أفكار ونظريات وضعية خلقها إنساناً مثله ،انتحرت ذاتها وسقط جوهرها ، ولم يبقَ إلاّ من لا يقدر على تطبيقها ، أو الخائف من الاستمرار في تبنيها والدعوة إليها ، أو من يحلم بالرهان عليها ، بل دفع حياته وعمره بسخاء من أجل هذه العقائد ونشرها ، وبَـخـَـلَ في تقديم مثل هذا التفاني والإخلاص والتضحية ، من أجل أو تجاه دينه وأبناء دينه الصابئة .

ولما كان ديننا الصابئي الحنيف من أول الأديان التي دعت إلى وحدانية الله الحي القيوم ، فقد حماه سبحانه ، وصان ديمومته ، وحفظ استمراره لحد الآن ... دين موحد ، وتابعيه من الصابئة قوم موحدين ، يؤمنون بالحي الأزلي ، الله الواحد الأحد ، الذي لا شريك له بسلطانه ، ويؤمنون باليوم الآخر ، ويحترمون كل الأديان التي بعثها لهداية خلقه من البشر ، ويوقرون كل الأنبياء والرسل عليهم السلام .

لقد عَــّد القرآن الكريم الصابئة من أهل الكتاب الموحدين المؤمنين بالله الحي القيوم ورسله وأنبيائه ، مثلهم مثل المؤمنين الموحدين من اليهود والنصارى ، إذ جاء في سورة المائدة الآية 69 ما نصه :

إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

وذهـب السيد قطب رحمه الله في كـتابـه الموسوم [ في ظلال القرآن ـ ج6 ـ ص 940 ] عـنـد تـفسيـره الآية إلى الـقـول [ والصابئون هم في الغالب تلك الفئة التي تركت عبادة الأوثان قبل الرسول محمد وعبدت الله وحده ]

وقد ورد ذكر الصابئة في سورة البقرة ، الآية 62 ما نصه :

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليم ولا يحزنون

وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن هناك من الأمم السالفة من آمن بالله واليوم الآخر ، كاليهود والنصارى ، وإن الصابئة من ضمن هذه الأمم بل قبلها ومن أولها ، فلهم أجرهم عند ربهم من خلال أعمالهم الصالحة ، فلا خوف عليهم يوم الحساب ولا هم يحزنون .

لقد جاء في كتاب ( إمتاع الإسماع ـ المقريزي ـ ص 67 ) ما نصه : كان المشركون من قريش يطلقون على النبي محمد ( ع ) وأتباعه في دعوته للتبشير بالدين الإسلامي إسم الصبأة ، كما أن سهيل بن عمر ، صاحَ :

يا آل غالب أتاركون محمدا والصبأة من أهل يثرب يأخذون اموالكم

والصبأة هنا جمع لكلمة صابئ ، وهو الإنسان الموحد الداعي لوحدانية الحي المزكي .

وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي وأبو الشعشاء جابر بن زيد والضحاك واسحق بن راهــويه ، إن الصابئين فرقة من أهـل الكتاب . ولهذا قال أبـو حـنيفة النعـمان بن ثابت ( رحمه الله ) ، صاحب المذهب الحنفي ، من أكبر المذاهب الإسلامية :

لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم . وأورد بمثل هذا المآل تلميذه أبو يوسف .

وقال بن أبي حاتم ، حدثنا أبي ، حدثنا عمر بن أبي عمر العدوي ، حدثنا سفيان ، قال سلمان الفارسي : سألت النبي محمد ( ص ) عن أهل دين كنت معهم ، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم ، فنزلت تلك الآية [ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ... ] مما إن ابن جرير قال ، حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن ، قال أخبرنا زياد :

إن الصابئة يصلون إلى القبلة ، ويصلون الخمس .

وقال بن أبي حاتم ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا بن وهب ، أخبرني بن أبي الزناد قال :

الصابـئون قـَـوم مما يلي العراق ، وهُـم بـ ( كوثى ) ـ اسم مديـنة ـ يؤمنون بالنبيـيـّـن كـلـّهم ، ويـَـصومون من كل سنة ثـَـلاثين يوما ، ويصلـّـون إلى ( الـيـَمن ) كل يوم خمس صلوات .

وسُـئـِل وهـَب بن منبه عن الصابئي فقال : الذي يعرف الله وحده ، وليست له شريعة يعمل بها ، ولم يحدث كـُفـراً .

وجاء في [ مجمع البيان في تفسير القرآن ـ للشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ـ المجلد الأول ـ ص 126 ] ، قال عبد الله بن وهب ، قال عبد الرحمن بن زيد : الصابئة أهل دين من الأديان بجزيرة الموصل يقولون [ لا إله إلاّ الله ] فـمن أجـل ذلك كان المـشركون يقـولون للنبي محمد صلى الله عليه وسلـّـم وأصحابه :

هؤلاء الصابئة ، يشبهـونهم به ، يعني في قوله ، لا إله إلاّ الله .

وجاء في تفسير الجلالين للإمامين جلال الدين بن أحمد المحلي ، والعلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ـ الصادرعن دار المعرفة ـ بيروت ـ في شرح سورة البقرة :

إن الذين آمنوا بالأنبياء من قبل ، والذين هادوا هم اليهود ، والصابئة طائفة من اليهود أو من النصارى ، من آمن منهم بالله واليوم الآخرة في زمن نبينا ، وعمل صالحا بشريعته فلهم أجرهم ، أي ثواب أعمالهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون

وفي الصفحة 75 من كتاب ( في ظلال القرآن ـ السيد قـطب ) رحمه الله ، عند تـفسيره لآية البقرة قال :

الصابئون ، إنها تلك الطائفة التي بحثوا لأنفسهم عن عقيدة يرتضونها ، فاهتدوا إلى التوحيد ، وقال إنهم يتعبدون على الحنيفية الأولى ، ملة إبراهيم ، واعتزلوا عبادة قومهم دون أن تكون لهم دعوة ، فقال عنهم المشركون إنهم صبأوا ، أي مالوا عن دين آبائهم كما كانوا يقولون عن المسلمين بعد ذلك ، وثم سُمّوا بالصابئة ، وهذا القول أرجح من القـَول بأنهم عـَـبدة نجوم .

وعن الإمام القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري رحمه الله في كتابه ـ الجامع لأحكام القرآن ـ ص 295 ، عند تفسيره للآية 62 من سورة البقرة المار ذكرها فيما تقدم ، قال :

الصابئون جمع صابئ وقيل ( صابٍ ) ، ولذلك اختلفوا في همزة الجمهور ـ جمهور اللغـويين ـ إلاّ نافعـاً ( اللغـوي نافع ، أحد أعلام اللغة العرب ـ فمن هَـمَـزَهُ جعله من : صبأت النجوم إذا طـَـلعـَت ، وصبأت ثنـيـة الغلام إذا خرجت . ومن لم يَـهمِـزه ، جعله من : صبا يصبو ، إذا مالَ ، فالصابئ في اللغة ، من خـَـرج ومال من ديـن إلى ديـن ، ولهذا كانـَـت العرب تـَقول لمن ( أسلم ) ، قد ( صبا ) .

من خلال ما تقدم ، يمكننا القول للجميع من أننا قوم موحدّون ، نؤمن بالله الحي القيوم سبحانه واليوم الآخر ، وإن ديننا الصابئي الحنيف من أول الأديان التي دعت إلى وحدانية الهيي ربي الله الحي المزكـّي مسبح اسمه كما جاء في كتابنا المقدس ـ الكنزا ربا :

* واحـد أحـد * العـَـزيز الحكيم العليم البصير * سلطان الأشياء كلها * لايُـرى ولا يـُـحَـد * ليس له كفواً ولا شريك له بسلطانه * وهو الرب العلي : ساجا ليتلا * أزيزا ويادويا * هازيا وشليطـا * إد لكل آسيو إد لا متهزيا ولا مستيتح * إد ليتلا هبارا بتاجا ولا شوتابا بشلطانا * أها ربا وشبيها .

نحن الصابئة قوم موحدون ، لا نسجد لغير الله الحي سبحانه ، ولا نعبد غيره ـ كما إفترى علينا البعض الكثير ـ من إننا عبدة نجوم وكواكب ، وديننا الصابئي الموحد الحنيف ينهانا عن الشرك به ، قال الله الواهب القدير :

* لا تسبحـّـوا للكواكب والأبراج * ولا تـسبحـّوا للشمس والقمـَـر المنوريّن هذا العالم فإنه هو الذي وهبها النور

* لا تشبهون الشوبا وتريش الشالبا وسيرا منهرانا * إد هازن إلما منطول هازن زيوا لا وديلون * هو هنيلا إتهبلون .

والاستـنتاج وارد من خلال ما تـَـقـَدم ، من أن الـدوافع والأسباب الرئيسية وراء هذا الاتـهام تـَـكـمنُ في :

أولاً : عـدم قــُـدرة أو إمكانية العلماء الأعلام ، والمفكريـّـن من أبناء الديانات الأخرى في ذلك العـَـصر من الإطلاع على ماهـيـّة الدين الصابئي الحنيف وأحكامه ، ونصوص شريعته السَمحة ، بسَـبب احـتِـكار رجال الديـّن لهذه الكتب ، وعـَدم تـَمكيـن الغـَـير من الإطلاع عليها .

إضافة إلى التنافس العِـلمي والمَعـرفي من قبل معاصريهم لما وصل إليه أجدادنا الصابئة في اكتشاف الكثير من العلاقات الجدليـّـة الكونيـّـة ضمن معارف ذلك العصر ، وبراعتهم في الكثير من العلوم الإنسانية ومنها الفلسفة والطب والكيمياء والأدب ، وغيرها من العلوم ، فقد شغل أهلنا الصابئة ، عظمة الخالق الله الهيي ربي مسبح إسمه ، وقدرة صنعه لهذا الكون ، فانكبوا على دراسة الظواهر الكونية وتعليل وجودها وعِـلـل تأثيرها ، فـبـَرعـوا في أكثر هذه العلوم أهمية ولحد عصرنا الحاضر ، وهو علم الفلك وفـنونه فـَـكشفوا الكثير من أسرار الكون ، وما يحتويه من سماء وكواكب ونجوم من خلاله ، وأدرك الصابئة قبل غيرهم عظمة الخالق الصانع لهذا الكون تـَسييراً وتـنظيماً وتـَـدبيراً ، الله الواحِـد الأحـَـد مسبـّـح اسمه الذي ليس لنوره حدود ، حيث جاء في كتابنا المقدس ( الكنزا ربا : الكنز العظيم ) :

* الذي لا كيل ولا قياس لنـوره وجـلاله : * إد ليتلا كيلا ومنياتا وساجا الزيوا ولنهورا ولا قارا

وهنا يمكننا التساؤل ، هل أن العالم لشيئ أو بشيئ وأبدع فيه وأدرك أسراره ، وهو الذي يدرك تماما كونه مخلوقا ، مثله مثل المخلوق الذي خلقه وأبدع فيه ـ ؟ وهل يمكن للمخلوق أن يعبد مخلوقاً مثله ... ؟

الثابت إن العلم والإيمان يتكاملان ولا يتنافيان ، إن أكبر عقـل ظهر في القرن الماضي العلامة باسـتـور يقول :
الإيمان لا يمنع أي ارتقاء كان ، لان كل ترّق يُبيّن ويسجـّـل الاتساق البادي في مـَخـلوقات الله ، ولو كنت قد عـلمـت أكثر مما أعلمـه اليوم لكان إيماني بالله أشـَـد وأعمـَـق ممـّا هو عليه الآن .

وثانيا : سُبات رجال الدين الصابئة وسكوتهم عن ما يحيط بهم وبأبناء دينهم من مخاطر ازدهار النظريات الفكرية الوضعية بكافة أنواعها وأشكالها وطروحاتها التي استحوذت أو سيطرت بل وبتعبير أدق استعـمَـرت عقل الإنسان الصابئي كغيره من أبناء الديانات الأخرى لعدم امتلاكهم السلاح الإيماني المعرفي لمقاومة مثل هذا الاستعمار ، فأصبح دورهم هامشياً ومحدداً ومحصوراً فقط في إجراء بعض المراسيم

والطقوس الشرعية فيما يخص [ الزواج والوفاة ] ، ولم نقف على أي نشاط لهم آخر وحتى بعد اغترابهم وتمتعهم بمناخ تتوفر فيه كل الإمكانات التي من خلالها يستطيعوا العودة إلى [ الجادة الشرعية المتمثلنة في ما جاءت به الشريعة الصابئية السمحة ] ، وهذا عكس ما قام به رجال دين الديانات الأخرى من تطوير أسلحتهم الإيمانية المعرفية التي أدت واجبها في إنقاذ أبناء دينهم من ما وقعوا فيه من أوهام الفكر الوضعي وزيفه .

وثالثا : هو أن من انتمى واعتـَـنق الفكر الوضعي بكل أطيافه من الصابئة نسي أو تـَـناسى خالـق صاحب هذا الخلق بمن فيه ومن عليه [ الله الحي المزكي الواحد الأحد ] فانـدفع وبكل ما يحيطه بالفراغ العقائدي المعـرفي الإيماني داخل عـقـله وروحه وقـلبه ، دون أن يقف على ما جاء في دينه من أحكام ودراسة ما فيه من ، وما في شريعـته من متغيرات وثوابت وما في الشرائع السماوية الأخرى ، اندفع لمحاربة دينه والسخريـّـة من أحكامه والالتفاف على نصوص شريعته ، يغـيـر ما هـو ثابت ويثبت ما هو متغـير أو قابل للتـَـغـييـر ، ولم يكـتـف بذلك ، وإنما أخـذ الـنـَـيل والاستهزاء بـرجال ديـنه الأجـلاّء ...!

لقد أدرك واستدرك بعض من كتب عـنا ، تـَسرعّه في ما ذهب إليه من رأي في مصادرة إيماننا بالله العظيم مسبح اسمه واتهمنا بعبادة النجوم والكواكب ، ومنهم أستاذنا الفاضل الكبير المُؤرِّخ الباحث عبد الـرزاق الحسني رحمه الله فقد ذهب في دراسته الأولى عن الصابئة إلى القول بأنهم عبدة كواكب ، ووحـّد بينهم وبين [ الحرانـّية ] ، الذين ادعـوا أنهم صابئة ، لتخـليص أنفسهم من الخليفة العباسي [ المأمون ] . وبعد أن وقف الأستاذ عبد الرزاق الحسني على ما تيسر له مما جاء في كتبنا المقدسة ، وإعادتـه مراجعة القرآن الكريم ، وتفاسيره المتعددة ، وأقوال وآراء أئمة الفقه الإسلامي وعلمائه الأعلام ، قال في دراسته الثانية عن الصابئة في مقالته المنشورة في مجلة العربي ـ الكويت ـ العدد 112 من سنة 1968 ما نصّـه :

الصابئة قوم يؤمنون بالخالِـق جل شأنه ، وإنه واحد أزلي لا أول لوجوده ولانهاية ، منَـزّه عن المادة ، لا تناله الحواس ولا يفضي إليه مخلوق ، وإنه لم يلد ولم يولد ، وهو علـّـة وجود الأشياء ومكونّها ، ولا يختلف اعتقادهم في الخالق عن اعتقاد المسلمين .

نحن صابئة ونبقى ، قوم موحديّن ملتزمين بما أمرنا به الحي المزكي من أوامر ونواهي عن طريق شريعته الصابئية ، وأنبياءه ورسله ، عـقـيدتنا تـلزمنا بالإيمان بالله الحي الأزلي القـَـيوم المزكي ، الواحد الأحـد [ آب هـاد بنان هـاد ] صابـئة ونـبقى صابئة ، والله وحده يعـلم ، ويـشهـد ويـفصل بـينـنا وبين كل إخواننا من اتـباع الأديان والمعتقدات الأخرى ، والمُـشركــيـن والمجـوس يـَـوم القـيامة ، لقد جاء في سـورة [ الحَـج ] من القرآن الكريم ، الآية 17 :

إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيئ شهيد

والقرآن الكريم كما قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : كتاب الله تبـصرون به ، وتـنطـقون بـه ، و تـسمعـو ن بـه .

وخير ما أختم به مقالي هذا ، النص الوارد في كتابنا المقدس ( الكنزا ربـّـا : الكنز العـظـيم ) :

* إذا نـَـزل بلاء عـَـلـَـيكم فـَـتـقيدوا بالصبر وتـمسكـّوا بالإيـمان بعــقيدتكـم

* لا تغـَيّـروا شيئا ولا تنحرفوا عن صحة أقوالكم .

* إن كلمة الـحق أتـَـتـكم .. كلمة الـحـق أتـت للصالحين ، والكلمة الصادقة تأتي لـلـمؤمـنـيـن والـحي نــاصـر .

طالبين من الله الهَـيي ربّـي حـسن العاقـِـبة ، راجـيـن منكم عـند قـراءة هـذا الكتـاب تـلاوة ( بـوثـة ارواها إد هيي : سورة رحـمة الرّب ) لكل أرواح أهـلـنا الصابئة .

( رواهـا إد هيّي نهويلخـون ) :
رواها إد هيي
بشميهون إد هيي ربـّي

ربي لـوفـَـا ورواهـَـا إد هيي وشافـَـق هـَـطـايـي نـَـهـويـلا إلـْـهـازا نِـشـِـمـثـَـه الـْـديـلـي ( الملواشا ) إد هـازا مـَـسـخِـثـا وشافـق هـَـطايي نهـويلا .

رحمة الـرّب
بأسمـاء الحـي الـعظـيـم

المغفرة والرضـا ومـغـفرة الخطـايـا ، تـُـهـدى لـروح ( الاسم الديني ) صاحب هذا الثواب ولتغـفر له خـطـايـاه .




فلسطين - غزة ص ب