خدمات زبــيــد

صندوق الاقتراحات

كونوا معنا

صندوق الاقتراحات

تسجيل الدخول


دراسات في الدين

الإسلام وعلاقة الإنسان مع سائر البشر

د. طارق محمد السويدان/الوطن القطرية 


لقد صنف الله تعالى البشر أصنافاً عديدة ومتباينة من حيث المعتقد والمذهب، فقال تعالى:
((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (الحج: من الآية17)
فأول صنف هم المؤمنون بدين الله، وابتدئ بهم لمنزلتهم العالية، ولشرفهم وتميزهم عن باقي الأصناف بأنهم هم أهل الفلاح والفوز في الآخرة.
ودخل تحت هذا الصنف كل من آمن بدين الإله الصحيح، والذي لم يعبث به وصدق رسله وأنبياءه وكتبه المنزلة غير المحرفة.
والصنف الثاني هم اليهود من أتباع رسالة النبي موسى عليه السلام الذين حرّفوا وبدّلوا ما أنزل إليهم حتى والنبي ما يزال بين أظهرهم، ويدخل تحت هذا الصنف كل من والاهم وأيدهم كالمنافقين الموجودين في كل زمان ومكان.
والصنف الثالث هم الصابئون: أي الذين تركوا الدين الذي يعتنقونه إلى دين آخر، وهم بحسب هذا الدين الذي تركوا لأجله دينهم السابق يصنفون، فالذين تركوا اليهودية المحرفة واتبعوا الإسلام الذي أمروا باتباعه كانوا مع الصنف الأول، وهم المؤمنون. وبالعكس من ذلك يكونون مع اليهود.
والصنف الرابع هم النصارى أي أتباع الدين المسيحي، وأصل تسميتهم قولهم لعيسى عليه السلام: نحن أنصار الله ودينه، وهذه الطائفة اتبعت دين الإسلام عندما جاء لأنه ألغى دينها السابق.
وطائفة أخرى كذبت وكفرت ولم تصدق ما قالت، ولم تتبع الدين الإسلامي بل عادته وحاربته، وهي ممتدة إلى زماننا الحاضر كما الطائفة الأولى ممتدة إلى زماننا الحاضر.
والصنف الخامس: المجوس وهم عبدة النار أو عبدة الشمس أو عبدة القمر أو الكواكب أو الأرض أو أي شيء مخلوق عظيم الخلق، فهي تستعظمه فتعبده دونما فكر أو عقل، ويدخل تحت هذا الصنف كل من عبد الجماد واعتبره إلهه، ففي زماننا قلّ الذين يعبدون الشمس، ولكن كثر الذين يعبدون المال والذهب! فهؤلاء هم مجوس المال كما أولئك مجوس النار.
وآخر الأصناف هم الذين أشركوا، بدءاً من مشركي مكة الذين عبدوا الأوثان وأشركوها في الألوهية مع الخالق، وانتهاءً بمشركي القرن الحادي والعشرين عبدوا الحضارة الغربية، أو عبدوا الوطن أو الحزب، أو عبدوا الحاكم أو الطاغوت، وأشركوا جميع هؤلاء في التقديس والتمجيد الذي لا يستحقه سوى الخالق عز وجل، فكانوا بذلك متساوين مع عبدة الأوثان لعدم إخلاص نيتهم وعقيدتهم.
فالبشر لا يعدون عن هذه الأصناف التي يمكن تقسيمها -اختصاراً- إلى قسمين: مؤمنين أو كافرين.
تنظيم علاقة المسلم مع الآخرين
تتابع الكلام معنا في مقالات سابقة عن علاقة الإنسان المسلم بالمؤمنين والمسلمين، وحان الكلام الآن عن علاقته بغير المؤمنين، ولننظر سوياً: هل حدد الإسلام أبعاد هذه العلاقة ونظمها كشأنه في كل العلاقات، أم أنه أغفلها وأهملها؟ وهذا من المحال، لأن الذي أتى بكل التفاصيل في كل الأمور التي مرت معنا سابقاً أن يترك التنظيم والتفصيل الوافي في مثل هذا الأمر المهم..
أولاً لنقسم البشر غير المؤمنين برسالة الإسلام قسمين:
أهل الكتاب، وهم الذين يؤمنون بدين سماوي، ويسميهم الإسلام أهل الذمة، وهؤلاء مقسومون إلى قسمين أيضاً:
المقيمون داخل ديار الإسلام وهم كالمواطنين الأصليين..
أو المقيمون خارج ديار الإسلام سواء أكانوا في دار الحرب أم غيرها.
والقسم الثاني: هم الذين لا يدينون بدين سماوي، كالمشركين والملحدين والمجوس والهندوس والبوذيين والشيوعيين وغيرهم..
وهؤلاء ينقسمون إلى صنفين: 
الأول: المستأمنون، وهم الذين أخذوا أماناً وعهداً من الدولة الإسلامية بأن لا يقتلون ولا يؤذون.
والثاني: هم الحربيون، وهم أهل دار الحرب الذين يعادون الدولة الإسلامية ويحاربونها باستمرار.
وقبل أن نخوض في تفصيل وبيان أحكام التعامل مع كل صنف من هؤلاء الأصناف علينا أن نعلم أن الإسلام قد جاء للناس كافة، ولجميع البشر، لهذا لم يفرق الإسلام بين أحد من البشر، ولم يمايز بينهم أبداً على أساس شكلي أو طبقي، أو عرقي أو علمي، أو مالي أو غيره من الأمور التي لا يد للبشر بها ولا يملكون تغييرها.
ولكن عندما قسم الناس، وصنفهم أصناف قسمهم على أساس اختيارهم هم وكسبهم، والشيء الذي بيدهم تغييره وتبديله، وبالتالي باستطاعتهم أن يكونوا أفضل الأصناف وأعلاها متى شاؤوا.
وهذا الأساس هو أساس اختيار العقيدة الصحيحة والمنهج الصالح في الحياة، ولا يكون ذلك إلا عند اتباع دين الله واختياره بمنتهى الحرية، بعد اقتناع العقل وانشراح القلب، وفي هذا غاية العدل والرحمة.
فباستطاعة المشركين أو المسيحيين أو المجوس أو غيرهم أن ينتقلوا إلى الصنف الأول، والأفضل والأكمل، إذا هم تغلبوا على هوى النفوس وتقاليد الآباء والجدود، وجمود العقل والقلب، وهذا ما رغب إليه الإسلام وحث الناس عليه.
ففي الإسلام يقدر أي امرؤ كان أن يتبوأ أعلى المراتب وأجل المقامات، بين الناس في الدنيا والآخرة، وعند الله تعالى.
((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) (الحجرات: من الآية13).
هذه هي قاعدة التمايز والتفاضل بين البشر في الإسلام.
وهي قاعدة تطبق على الجميع دون استثناء، وبمقدور الجميع بلوغ هذا الفصل وهذه الميزة إذا أراد ذلك.
أنواع التعامل
والآن لنبدأ ببيان كيفية التعامل مع هذه الأصناف من البشر وأنواع هذا التعامل على ضوءٍ من الشريعة الإسلامية التي فصّلت هذا.
فتعامل الإنسان مع البشر الآخرين يكون:
تعاملاً مادياً كالتعامل بالبيع والشراء وأنواعهما وفروعهما مثلاً.
وتعاملاً معنوياً أخلاقياً كالتسليم والزيارة والإهداء والبشاشة والإكرام والوفاء والصدق والتصديق والإعانة والإغاثة والعيادة وغيرها.
فأما أهل الذمة وهم الصنف الأول الذين يقطنون في دار الإسلام فهم كالمسلمين من حيث التعامل المادي، وتجري عليهم جميع الأحكام الإسلامية ما عدا الأشياء التي تخصهم ويبيحها دينهم.
أما في التعامل المعنوي فهم كذلك كالمسلمين إلا أن من الواجب على الإنسان المسلم أن يظهر الاعتزاز بدينه، فلا تقوده الطلاقة والانبساط مع غير المسلم إلى مجاراته في كل الأمور والانخراط في ممارسة شعائره.
ولكن يجب أن يكون هذا التعامل بقدر وباعتدال ولا يفضل في هذا الذمي على المسلم ويساويه به ويعامله بمنطق الأخوة كما يعامل أخاه المسلم.
فالمقصود من هذا أن يحفظ حياة هذا الذمي وكرامته الإنسانية فلا يعتدي عليها، ولا بأس أن يشاركه في الأمور الإنسانية، فيزوره ويعوده إذا مرض، كما فعل النبي عندما زار الطفل اليهودي المريض وعرض عليه الإسلام فأسلم، وأن يعزيه إذا مات أحد أقاربه، فقد ورد أن النبي قام عندما مرت جنازة ليهودي.
ولا بأس أن يرسل له الهبات والهدايا في المناسبات، وأن يتصدق عليه إذا كان فقيراً معدماً، ويعينه إذا كان صاحب علة أو عيال أو مصيبة وفاقة.
وغير هذا من المعاملات الإنسانية البحتة التي يقوم بها الإنسان لأخيه الإنسان.
هذا مع إعطاء هذا الذمي كافة الحقوق التي حفظها له الإسلام، كحق الحياة فلا يُعتدى على حياته ولا يؤذى.
لأن النبي قد توعد من قتل ذميّاً بغير حق أن يكون خصمه يوم القيامة.
وأن يحفظ عرضه وماله، فلا يهتك ستره ولا يسرق متاعه، ولا يمنعه من إقامة شعائر دينه وعبادته، فالإسلام كما أعطى هذه الحقوق للمسلمين أعطاها لغير المسلمين من أهل الذمة، وهي حقوق إنسانية أولية وحقوق وطنية تعطى لجميع أبناء الوطن الواحد.
أما أهل الكتاب الذين لا يشاركون المسلمين وطنهم، فلا يعاملون كما يعامل أهل الذمة الذين يدفعون الجزية للمسلمين بمقابل أن يكفوا عنهم ويتركوهم وشأنهم، أو أن يحموهم من عدوهم.
فإذاً أهل الذمة هم أهل الكتاب الذين بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بأن يدفعوا الجزية، وأن يُحمَوا من قبل المسلمين.
أما الذين يقيمون في دار الحرب، ويحرضون على معاداة الإسلام ومحاربته، فهؤلاء حكمهم يختلف من ناحية المودة وحسن المعاملة وغير هذا.
وهذا هو حكم التعامل مع الذين لا يدينون بدين سماوي والذين يعادون الإسلام ويحاربون أهله حسب نظام الإسلام فهؤلاء أهل دار الحرب.
التوسط في الأمور
وقد فصل الإسلام في أحكام كل فريق تفصيلاً كبيراً، فلم يترك أي أمر كان بدون أن يبينه للناس لكي يسترشد الإنسان وخاصة الإنسان المسلم في أثناء تعامله مع البشر الخطوات الصحيحة والثابتة التي رسمها الإسلام له لكي لا يتجاوز حدود الرحمة والرفق إلى الخضوع والمهانة، والشدة والاستعلاء إلى حدود القسوة والجبروت والاضطهاد والظلم.
ولكن يكون رفيقاً رحيماً بكل البشر يرجو لهم الهداية والنجاة من عذاب الآخرة فيدعوهم إلى الهدى والإيمان بلسانه وبحاله وبأفعاله الطيبة، وبأخلاقه الإنسانية الرفيعة وبمعاملته الرحيمة الراقية معهم.
فبهذا تكون الدعوة إلى الإسلام أشد تأثيراً وأكثر إقبالاً من الناس (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).
ولكن يجب أن يكون مع هذا حازماً وقوياً في دينه ومعتزاً بقيمه ونظمه فلا يجد حرجاً من تطبيقها، ولا يدعوه الخجل أو المجاملة إلى ترك فرائض الدين أو تحريم الحلال أو تحليل الحرام مجاراة لمن هم حوله من الذين هم متفلتون من الدين أو المعادون له.
خاتمة
لعل الناس يتفاوتون في فهمهم لطبيعة علاقة المسلم بغيره، حتى أنك تجد اختلافاً بين بعض العلماء أو الفقهاء في طبيعة هذه العلاقة، إلا أن الثابت الوحيد أن المسلم مأمور بالخلق الحسن مع جميع الخلق لكن دون أن يؤثر هذا على اعتزازه بدينه وتمسكه به وهذا هو الضابط المتفق عليه بين الجميع.


فلسطين - غزة ص ب